محمد سعيد رمضان البوطي

17

فقه السيرة ( البوطي )

العالم على نفسه من خلالها ، ثم نتشاغل بالتأمل في جوانب أخرى من شخصه لا صلة لها بنا ، وليس لها بتلك الهوية أي تعلق أو مساس . أجل ، وأي عبث أعبث من أن يقف أمامنا هذا الرجل : محمد بن عبد اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ليكشف لنا عن ذاته ، ثم ليقول لنا محذرا بملء يقينه ومشاعره : « واللّه لتموتن كما تنامون ، ولتبعثن كما تستيقظون ، وو اللّه إنها لجنة أبدا ، أو لنار أبدا » ، ثم لا يهمنا من شخصه وكلامه هذا إلّا التأمل في عبقريته أو فصاحته وحكمته ؟ ! . . أليس هذا ، كما لو أقبل إليك إنسان وأنت على مفترق طرق ، يعرّفك منها على السبيل الموصل الهادي ويحذرك من المتاهات المهلكة ، فلم تلتفت من كل ما يقوله لك إلا إلى مظهره ولون ثيابه وطريقة حديثه . ثم رحت تجعل من ذلك موضع درس وتحليل تستغرق فيه ؟ ! . . . إن المنطق يقضي أن ندرس حياة سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم من شتى جوانبها : نشأته وأخلاقه ، وحياته الشخصية والبيتية ، وصبره وكفاحه ، وسلمه وحربه ، وتعامله مع أصدقائه وأعدائه ، وموقفه من الدنيا وأهوائها وزخرفها ، دراسة موضوعية تتوخى الصدق والدقة بناء على المنهج العلمي الذي يقضي باتباع قواعد الرواية والإسناد وشروط الصحة فيها . أقول : إن المنطق يقضي بأن ندرس ذلك كله ، ولكن على أن نتخذ منه سلّما للوصول إلى نهاية من البحث والدرس نتأكد فيها من نبوته ، ونتبين فيها حقيقة الوحي في حياته ، حتى إذا تجلّى لنا ذلك بعد البحث الموضوعي المتجرد عن أيّ هوى أو عصبية ، أدركنا أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يخترع لنا من عنده شرعة وأحكاما ، وإنما كان أمينا على إبلاغها إيانا ، قضاء مبرما من لدن رب العالمين ، وعندئذ نتنبه إلى عظم مسؤولياتنا تجاه هذه الشرائع والأحكام رعاية وتنفيذا . ثم إن كل من ألزم نفسه من دراسة السيرة النبوية بالجوانب الإنسانية المجردة ، وراح يحللها بعيدا عن الهوية التي قدم النبي صلى اللّه عليه وسلم نفسه للناس على أساسه ، لا بد أن يحبس نفسه ضمن ألغاز مغلقة لا سبيل إلى الخروج منها بأي تحليل . لا بدّ مثلا أن يقف ذاهلا حائرا أمام لغز الفتح الإسلامي الذي قضى بأن يكون لطائفة من السيوف القديمة التي طالما أكل بعضها بعضا سلطان سحري في القضاء على حصن الحضارة الفارسية وجبروت البأس الروماني . ولا بدّ مثلا أن يقف حائرا كل الحيرة أمام لغز القانون الذي تكامل في الجزيرة